فوزي آل سيف

69

عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام

وأما الذين ترددوا في الأمر؛ لما ذكرنا في السطور الماضية، فتارة ذكروا قضية السم بعنوان قيل؛ وأخرى مع إضافة سبب من الأسباب التي تتناسب مع توجهاتهم في تنزيه الخليفة، وهكذا فمنهم المقدسي (ت نحو ٣٥٥ ه‍) في كتابه: البدء والتاريخ حيث قال مؤرخا رحلة المأمون باتجاه بغداد «فلما بلغ بلدة سرخس قتل الفضل بن سهل في الحمام غيلة ومات علي بن موسى الرضا بطوس ودفن عند قبر هارون واختلفوا في سبب موته فمن قائل أنه سم وآخر أنه أكل عنبًا فمات».[175] ومثله ابن حزم الأندلسي (ت ٤٥٦ ه‍) فمع أنه أخطأ في اسم الإمام عليه السلام ونسبه إلى جده جعفر بن محمد، إلا أنه ذكره فيمن صارت له ولاية العهد وقال: «علي بن جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب: ولاه المأمون عهده، ومات إلى مديدة في حياة المأمون، وقيل إنه سمه، وكان سماه الرضا».[176] وأما سبط ابن الجوزي فقد روى أنه قدم إليه السم، لكنه «رأى خلاف ذلك، ومن المعلوم أننا في الموضوع التاريخي ينبغي أن نقدم الرواية على الرأي الخاص الذي لا يستند إلى النقل الصحيح، فقال في كتابه مرآة الزمان: وقد ذكرنا إشخاصَ المأمونِ له... وأنه سار معه من مروَ يريد العراق، فلمّا وصل إلى طُوسَ مرض أيامًا، فتأخَر رحيلُ المأمون بسببه. وقيل: لم يمرض، وإنّما دخل الحمّام وخرج، فقُدِّم إليه طَبَقٌ فيه عِنَب مسمومٌ سمًّا لم يظهر فيه، فيقال: إنّهم أدخلوا فيه الإبرَ المسمومة، فأكله فمات»[177]. وبعد أن أورد هذه التفاصيل التي تتفق مع غيرها في مسمومية العنب، وكيفية سمه، بل والدافع إلى ذلك من قول جده في المنتظم، وقد نقلناه آنفا.. انقلب على عقبه فقال: «وقد زعم قوم أن المأمونَ سمَّه، وليس كما ذكروا؛ فإنّ المأمون حزن عليه لمّا مات حُزْنًا لم يحزنْه على أحد، وكتب إلى الآفاق يعزُّونه فيه ولو أنه سُمَّ مَن يوثق به؟ فإن الطبريَّ قال: مات فجأةً، أكل عِنَبًا فأكثر منه». وجَرّ على هذا المنوال ابن خلكان وابن الأثير فقال كل منهما بأنه أكثر من أكل العنب ويقال إنه سُم في العنب. وقد ذكرنا في الصفحات السابقة أن الحزن لم يكن أكثر من تمثيلية لم تنطل على أهل ذلك الزمان بل قالوا إنّ المأمون هو الذي قتله! نعم بقيت لتخدع السذج فيما بعد! وهذا يشبه أن نقول لمن تم اغتيالهم بالسم على يد معاوية؛ إنهم أكثروا من أكل العسل! أو اللبن! فماتوا.

--> 175 المقدسي، المطهر بن طاهر: البدء والتاريخ ٦/‏١١١ 176 الاندلسي؛ ابن حزم: رسائل ابن حزم ٢/‏٥٢ 177 الجوزي؛ سبط بن الجوزي: تذكرة الخواص 318